محمد أبو زهرة

162

المعجزة الكبرى القرآن

لقد كانت قريش تتنافس على السقاية وسدانة البيت الحرام ، وتتسابق إلى عمارته إن احتاج إلى عمارة ، ويحسبون أن ذلك يجعل لهم فضلا على الناس ولو كانوا مشركين ، وقد قرر سبحانه أن الإيمان باللّه ورسوله ، والجهاد في سبيله ، والتقدم لفداء الحق ونصرته لا يساويه مجرد السقاية والسدانة والعمارة ، ولو كان لبيت اللّه الحرام الذي هو مثابة للناس وأمن ، فالإيمان والعمل الإيجابى لنفع الناس وحماية الحق والذود عنه ، هو في المكانة السامية ، وقد أتى سبحانه بذلك في صيغة استفهام إنكاري ، وهو منصب على التسوية بين الأمرين ، وهو استنكار فيه توبيخ ، وفيه إبطال للباطل ، وإحقاق للحق ، وإعلاء لشأن الإيمان والجهاد ، وأنه فوق كل شأن . ومن الاستفهام الذي يحكى عن المشركين الذين لا يؤمنون باللّه واليوم الآخر ما يذكر على سبيل الاستغراب ، وظن الاستحالة ، ومن ذلك قوله تعالى : وَقالُوا أَ إِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً ( 49 ) قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً ( 50 ) أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً ( 51 ) [ الإسراء : 49 - 51 ] . ومثل ذلك قوله تعالى : وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَ إِذا كُنَّا تُراباً أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 5 ) [ الرعد : 5 ] . وإن هذه الاستفهامات هي من قبيل الإنكار ، والاستغراب ، فترى المشركين يعلنون إنكارهم للبعث ، ويستغربون أن يكون ، يستغربون البعث في ذاته ، ويقرنون ذلك بحال الذين يموتون من بعثرة أجسامهم بعد أن يصيروا رفاتا ، ويضيفون إلى استغراب البعث في ذاته ما يقررونه في اعتقادهم من أحوالهم ، يحسبون أنها تبرر الإنكار ، أو تزيد الاستغراب ، فيسألون من الذي يبعثهم من مراقدهم ، ويوهم قولهم أن ذلك غريب . وفي سورة الرعد في النص الذي نقلناه يستغربون ويتعجبون ، يبين اللّه تعالى أن موضوع العجب هو عجبهم ؛ لأن البعث فيه سر الوجود ، إذ إنهم لم يخلقوا عبثا ، وإذا كان الابتداء ليس فيه عجب ، فالإعادة ليست فيها عجب أيضا ، فالاستغراب موضوعه استغرابهم هم . وإنا نجد في كل الأمثلة التي ذكرناها في الاستفهام تصريفا في القول يوجد جدة في كل جملة عن سابقتها ، وإنه لو كان النفي أو الاستغراب والتعجب أو الاستنكار والتوبيخ بلغة واحدة ما كان التنويع في التعبير . الذي هو ميزة لكل كلام . فضلا عن أبلغ كلام رأته الإنسانية ، لأنه تنزيل من حكيم حميد ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا